مقالات-سكاى كايرو

تاريخ يجب أن لا ينساه أي مسلم …..2 يناير 1492م

2 يناير 1492م تاريخ لا يجب أن ينساه أي مسلم

2 يناير 1492 هذا التاريخ يجب أن لا ينساه أيُّ مُسلم؛ ففي 2 يناير كلَّ عام تَحتفل إسبانيا بنهاية الحكم العربي الإسلامي لأراضيها، وسقوط غرناطة واستسلام ملكها أبي عبدالله محمد الثاني عشر.

فى 2 يناير 2013 يكون قد مرَّ 521 عامًا على سقوط الأندلس (إسبانيا والبرتغال حاليًّا) بعد حكم إسلامى دام 800 عام.

هناك من يفكر ويقول سقطت الأندلس!! ولسان حاله؛ وما شأننا؟!

لا، هذا شأننا وشأننا! ترى لماذا؟

قبل أن أقول لماذا؟ هيا لنتذكر قليلاً ما كانت تُمثِّله الأندلس للمسلمين.

فمثلاً مدينة قرطبة – وهي إحدى مدن الأندلس – كانت تسمى بجوهرة العالم، ترى لماذا؟

ستعرف الجواب بمشاهدة هذا التسجيل:

مثَّلت الأندلس ثورة حضارية في العالم بأسره؛ وعلى سبيل المثال: الزهراوي الذي كان مِن علماء المسلمين النوابغ، والذي ابتكر نحو200 أداة جراحية، كان أول مَن عالَج تشوُّهات الفكَّين وتقويم الأسنان، وأول مَن استخدم جسور الأسنان الذهبية والفضية وأدوات ضغط الأسنان، وكان أول مَن وصَف طريقة تفتيت حصيات مَجرى البَول، وتوصَّل لعمليَّة وقف نزف الشرايين، ولو استرسلتُ في ذكْر إنجازاته لأمكنَني كتابة مجلدات عنها، حتى إن أحد علماء الطبِّ سُئل منذ عدة سنوات عن الفرق في الإمكانيات الطبية في ذلك الوقت بين أوربا والأندلس، فقال: إن الزهراوي كان مُتقدِّمًا عن باريس وإنجلترا بعدة سنين ضوئية! فهل تخيَّلْنا الفَرْق؟!

إن أعظم جامعات العالم (جامعة قرطبة) كانت في الأندلس؛ مما يَعني أن أيَّ طالب في العالم كان يَتمنى فقط أن يذهب للدراسة في هذه الجامعة، تمامًا كما يَسعى الآن مَن يرغب في درجة علميَّة مُتميِّزة أن يدرس في جامعات هارفارد أو كامبردج أو بوسطن، وغيرها من الجامعات المشهورة، فنسأل الله أن يُعيننا على إرجاع الحضارة الإسلامية كما كانت مِن قبل وأفضل.

عود مرة أخرى لما بدأنا فيه، ماذا حدث بعد سقوط غرناطة آخِر مدن الأندلس الضائعة؟

أرسل ملك إسبانيا إلى حكام الأندلس يطلب منهم الاستسلام فرفَضوا، فأرسل لهم 25 ألف جنديٍّ خرَّبوا الحدائق والمزارع؛ حتى لا يجد المسلمون شيئًا يأكلونه! وبعد ذلك أرسل 500 ألف مُقاتل لمُحاربة المسلمين، ودام القتال لفترة طويلة حتى اجتمع فقهاء وعلماء مدينة غرناطة واتفقوا على تسليم المدينة، وحضر فرديناند (ملك إسبانيا) وزوجه إيزابيلا واستلموا مفاتيح المدينة في ذلك اليوم المشؤوم (2 يناير 1492).

وتمَّت حينها مُعاهَدة تنصُّ على أن يقوم المسلمون بتسليم المدينة للإسبان في مُقابل خروج الحكام بأموالهم آمنين إلى إفريقيا، وتأمين الصغير والكبير على النفس والأهل والمال، والحفاظ على المساجد، وعدم المساس بشعائر الدين الإسلامي أو منع المسلمين مِن أداء شعائرهم الدينيَّة، وألا يُجبِروا أحدًا على اعتناق المسيحيَّة، واتَّفقوا كذلك أن يكون القضاء بين المسلمين على أساس الشريعة الإسلامية.

لكن الذى حدث بعد ذلك أنهم نقَضوا المعاهدة كأنها لم تكن، وكان أول ما فعلوه هو إجبار المسلمين على الدخول في المسيحية، والتضييق على مَن بقي مسلمًا، واحتلوا المساجد كلها، وأمروا بتحويل المسجد الجامع إلى كنيسة، وأخذوا في إعدام علماء المسلمين دون محاكمات؛ بحُجَّة مُقاوَمتهم للمسيحية!

وبعد ذلك ظهرت محاكم التفتيش، التي كان اسمها فقط بمثابة رعب للمسلمين آنذاك؛ ذلك لأنها كانت تُحاكم كل مسلم لم يَتنصَّر، بل تقوم بحرق المسلمين أحياء في الساحات عقوبة لهم على تمسُّكهم بالإسلام، ويُقدَّر عدد الضحايا في هذه المُحاكمات بأكثر مِن نصف مليون مسلم، حسب ما يقول المؤرِّخون، كما قاموا أيضًا بحرق المصاحف، بالإضافة إلى جميع الكتب الإسلامية والعربية مِن فقه وعقيدة وتفسير وغيرها.

وعند إجراء المُحاكمات للتأكُّد أنهم تركوا الإسلام، يُجبِرونهم على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ومَن يَمتنع عن ذلك يعلمون أنه ما زال على الإسلام فيُعذَّب، بل حتى مَن يَستجيب يُعذَّب أيضًا.

ثمَّ بعد ذلك يُدخلونهم إلى سجونٍ شديدة السوء، مُظلِمة، تَمتلئ بالحشرات والفئران، وتَنتشِر فيها الأوبئة، وخلال فترة بقائهم فى السجن يُعذَّبون بالجَلد وبصور أخرى لا يتَّسع الوقت هنا لسردِها، وغالبًا ما يُعذَّبون حتى الموت، أو تَصدُر في حقهم أحكام بالإعدام.

وللأسف الشديد كان هذا التعذيب لا يُستثنى منه طفل أو امرأة أو شيخ! حتى إنه توجد بعض الوثائق المُثبَت فيها أنه تم تعذيب طفلة عمرها 11 عامًا، وشيخٌ في التسعين مِن عمره بالجلد.

وفي النهاية لم يعدْ أمام المسلمين الذين رفَضوا اعتناق المسيحية إلا أحد خيارَين لا ثالث لهما:

إما مُغادَرة البلاد وترك الأموال والممتلكات، والخروج دون راحلة، بل مشيًا على الأقدام حتى إفريقيا – أو الإعدام.

وللعلم فإن دخول المسيحية وقتها لم يكن أيضًا ميزة للمسلمين أو ضامنًا لسلامتهم أولكرامتهم، بل إن الذين كانوا يتركون الإسلام ويتَنصَّرون كانوا يسمونهم بـ(الموريسْكيِّين)؛ إمعانًا في الإذلال والتحقير.

ومِن مظاهر إذلالهم أنهم منعوهم مِن التحدُّث باللغة العربية، أو ارتداء الزي الإسلامي، كما منعوهم مِن ذبح الحيوانات على الطريقة الإسلامية، وحرموا عليهم الزواج على الشريعة الإسلامية، واعتبروا أيَّ عقد زواج لم يُبرَم في الكنيسة فهو باطل!

وكذلك فإن أيَّ عقد إيجار أو تمليك مكتوب باللغة العربية يُعتبر باطلاً، وكانوا يُشدِّدون عليهم؛ للتأكُّد مِن شربهم للخمر، وأكلهم الطعام في نهار رمضان، ومنعوهم مِن الاغتسال أو الوضوء، وقاموا بهدم الحمامات العربية!

وبعد كل هذا التعذيب والتضييق عليهم في دينهم وحياتهم، أصدَروا قانونًا بطرد الموريسكيِّين – المسلمين المُتنصِّرين – خارج البلاد!! فهم ليسوا مسيحيِّي الأصل، فخرج ما يَقرُب مِن نصْف مليون شخص، ومات منهم الثلث أثناء عملية الطرد.

لماذا أحكي الآن هذه الأحداث التي تُدمي العيون؟ هل لنَبكي ونتذكَّر الظلم الذي وقع على المسلمين في الأندلس، وفقط؟!

لا ليس كذلك، بل أحكي هذا الكلام لعدة أسباب:

1- لنَعرف الفرق بين الإسلام الحنيف المتسامح، وكيف كان المسيحيُّون يعيشون في ظل الإسلام في أمن وسلام وكرامة، وفي المقابل كيف عاش المسلمون في ظل الكاثوليك؟

2- لنتذكر حضارتنا الإسلامية العظيمة التي انبهر بها العالم كله، كيف كانت، وأين أصبحت اليوم بين الحضارات؟

3- قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [يوسف: 111]، فيجب أن تكون لنا عبرة وموعظة مما حدث لأجدادنا المسلمين في الأندلس.

4- لنذكر العالَم المُتغافل كيف يتعاطَف مع الصهاينة الذين يَبكون طيلة الوقت على محارق الهولوكوست التي حُرق فيها اليهود، والتي يأخذونها حجَّة لاحتلالهم ووجودهم الآن في فلسطين، في حين يتجاهل عمدًا كل ما حدث للمسلمين على أيدي الرهبان الكاثوليك من خلال محاكم التفتيش، ويَمتنعون من التحدُّث عن هذه الجرائم، ويُخفون الوثائق المُدينة لهم وللكنيسة الكاثوليكية.

5- عندما نفهم ما حدث في الأندلس سنفهم ما يحدث الآن في فِلَسْطين؛ فهو عبارة عن عملية إحلال للفلسطينيين باليهود، سواء بالقتل أو التهجير أوالتشريد، كما حدث مِن قبل، وتمَّ عمل إحلال للمسلمين بالصليبيين (الكاثوليك) سواء بالحرق أو الإعدام أو التعذيب حتى الموت أو الطرد.

وحاليًّا فالمسلمون الذين هاجروا من الأندلس يوجدون إما في المغرب أو الجزائر أو تونس، ونسوا تمامًا قضيتهم، وأن إسبانيا والبرتغال هي موطنهم الأصلي، وأن لهم حقًّا في أرضهم.

باختصار: إن سقوط الأندلس يعيد إلى أذهاننا حال فلسطين حاليًّا “الأرض المغتصبة”، فهل سنَنساها – يا مسلمون – كما نسينا الأندلس مِن قبلها، قد يُراهن اليهود على ذلك مثلما راهن الصليبيون أيضًا على نسيان المسلمين لحقِّهم في الأندلس، لكن كلاهما واهم؛ فإننا في الحقيقة لم ننسَ الأندلس، وجديرٌ بنا ألا ننسى فلسطين، وألا نُضيِّعها كما أضعنا الأندلس.

المصادر:

1- هذا المقال هو ناتج من قراءة عدة مقالات للدكتور راغب السرجانى عن الأندلس.

2- برنامج “علمني التاريخ” للدكتور طارق السويدان.

Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: