اخبارصحه

تعرف على البلد الآسيوي الذي يقدس هذه الفاكهة

منذ عشر سنوات عندما كنت حديثة عهد بالزواج، توقفت أمام متجر للخضروات على جانب الطريق في بلدة ناغركويل جنوبي الهند لأشتري بعض الموز قبل حضور إحدى المناسبات الدينية.

وحدقت مذهولة في أشكال هذه الفاكهة الغنية بالمعادن والفيتامينات وألوانها التي تتراوح من الأصفر إلى الأحمر بدرجاته المتنوعة والبنفسجي، والتي كانت تتدلى من السقف المصنوع من الصفيح كما لو كانت كنوزا ثمينة.

ووضع البائع على كل حزمة اسم الصنف الذي يعرف به محليا، مثل “بوفان” (الأصفر القصير) و”شيفازاي” (الموز الأحمر) وهكذا. ولم أر قط في مدينة حيدر آباد، عاصمة ولاية تيلانغانا، حيث نشأت، هذه الوفرة في أصناف الموز المعروضة مختلفة الأشكال والألوان.

فقد اكتشفت أن هناك ما يترواح بين 12 و15 صنفا من الموز في ناغركويل، ولكل منها اسم وغرض خاص.

ويحظى الموز في الهند بمكانة لا تضاهى، ويعد من أكثر الفاكهة استخداما في مختلف الأغراض منذ قديم الأزل. ويقبل الناس في الهند على شراء الموز في جميع المناسبات تقريبا، نظرا لوفرته طوال العام وتنوعه وانخفاض سعره نسبيا، وأصبحت شجرة الموز جزءا أصيلا من النسيج الثقافي للهند.

وتُزرع أنواع الموز المحلية في الحدائق الخلفية للمنازل في جميع أنحاء الهند. لكن في ناغركويل، التي تتميز بطقسها الدافئ والمداري الرطب وتربتها الطفلية الخصبة، كما هو الحال في المناطق المتاخمة لسلسلة جبال غاتس الغربية جنوب الهند، تنمو أشجار الموز بكثرة في الحدائق والمزارع وفي الغابات.

ويقال إن الموز واحدا من أقدم الفواكه وأكثرها انتشارا على وجه الأرض. وانتقل الموز من أصوله في الهند وجنوب شرق آسيا إلى جميع أنحاء العالم. واليوم، أصبح الموز واحدا من أكثر الفاكهة استهلاكا في العالم، وحتى في أثناء وباء كورونا، كانت وصفة خبز الموز من أكثر الوصفات التي بحث عنها الناس على محرك البحث غوغل.

الموز
لا تزال بعض أصناف الموز تزرع في موطنها الأصلي جنوبي الهند

وتشير السجلات التاريخية إلى أن الإسكندر الأكبر انبهر بمذاق هذه الفاكهة العجيبة وحملها معه من الهند إلى الشرق الأوسط، حيث أطلق عليها التجار العرب اسم “بنان” كونها تشبه الإصبع. ووصلت فيما بعد إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في القرن الخامس عشر، ومنها إلى برمودا. ثم شحنت من برمودا إلى إنجلترا في القرنين السابع والثامن عشر.

وفي عام 1835، زرع جوزيف باكستون، كبير البستانيين بضيعة تشاسويرث في دربيشاير، صنفا أصفر جديدا من الموز وأطلق عليه اسم “ميوزا كافنديشاي”، نسبة إلى اسم عائلة صاحب الضيعة، ويليام كافنديش.

ورغم حجمه الصغير نسبيا ومذاقه المعتاد مقارنة بالأصناف الأخرى، أصبح صنف كافنديش النوع المفضل والأكثر شيوعا في الدول الغربية، كونه متجانس الثمار ومقاوما للآفات وعالي الإنتاجية.

ويزرع الآن في الهند صنف “كافنديش جي 9” الذي طورته إسرائيل، لبيعه تجاريا. لكن الأصناف الأصلية من الموز وكذلك موز الجنة، لا تزال تزرع في أقصى جنوب الهند.

ويتغنى سكان هذه المناطق بتعدد استخدامات بعض الأصناف من الموز، مثل بوفان وموندان وبيان (التي سميت على اسم آلهة هندوسية)، ومذاقها وقوامها.

ويعد الموز في الهند علاجا لكل داء، سواء كان بدنيا أو روحانيا. ولا أنكر أني عندما كنت صغيرة، لم يرق لي على الإطلاق قوام الفاكهة اللزج بعد نضوجها، لكني كنت أستسلم لإلحاح أمي وأبتلع قطع الموز لتقوية المناعة بعد أن تعافيت من الصفراء، أما جدتي فكانت تحثني على التهامها تقربا من الآلهة بعد المناسبات الدينية.

وقد عُرفت في الوقت الراهن الفوائد الصحية العديدة للموز، فالموز الناضج غني بالبوتاسيوم والكالسيوم وفيتامين ب 6 وفيتامين ج، ويعد مصدرا مهما للنشويات والألياف. لكن قيمة الموز العلاجية يعرفها الهنود منذ آلاف السنوات. إذ تعد شجرة الموز مقدسة ويُنتفع بكل جزء منها، فتؤكل ثمارها وتستخدم أوراقها وأزهارها ولحاؤها في الأغراض العلاجية.

الموز
 

ويقول سريلاكشمي، كبير المستشارين في طب الأيورفيدا بمركز “ناد” الصحي في دلهي: “ثمار الموز الناضجة تحتوي على عنصرين من عناصر قوة الحياة الخمسة، وهما الهواء والأثير”.

وفي طب الأيورفيدا أيضا، تستخدم أزهار شجرة الموز وجذوعها لعلاج مرض السكري، وتستخلص من الشجرة العصارة لعلاج أمراض مثل الجذام والصرع ولدغات الحشرات.

ويقول سريلاكشمي إن الاضطرابات الجسدية نفسية المنشأ، مثل ارتفاع ضغط الدم والأرق، تعالج بتغطية الدماغ بلبخة علاجية ثم تُلف بأوراق شجر الموز، التي يعتقد أن لها تأثيرا مهدئا.

ويعد الموز الفاكهة الوحيدة المذكورة في كتاب “قانون بالي” المقدس الذي يجمع تعاليم مذهب “تيرافادا” البوذي، وهو أيضا جزء من الثالوث المقدس المكون من المانغو والموز والكاكايا أو الجاك فروت، في الأدب التاميلي. وتعادل شجرة الموز في الهندوسية الإله بريهاسباتي، إله الحكمة ومعلم الآلهة الهندوسية.

وترتبط شجرة الموز بالخصوبة والخير. ويحرص الناس في جنوب الهند على وضع شجرتي موز مثمرتين على جانبي مدخل المنزل أو قاعات الأعراس والأعياد الدينية وغيرها من المناسبات الخاصة. ففي البنغال، يُصنع تمثال يرمز للإلهة دورغا، إلهة الحرب والطاقة النسائية، في مهرجان دورغا بوجو، من نبات الموز، ويغطى بالساري الأصفر.

أما عن طرق تناول الموز في الهند، فهناك الكثير من الخيارات، سواء كان الموز ناضجا أو غير ناضج. فهناك أنواع من الموز، مثل ماتي بازام، تستخدم كطعام للأطفال، في حين تستخدم أنواع مثل نيندران وراستالي، التي تحتوي على نسبة أقل من الماء ولا تفسد بسهولة، في الكثير من الأطباق التقليدية والمعاصرة الهندية.

الموز
شجرة الموز متأصلة في النسيج الثقافي الهندي

وتقول شانتالا ناياك شينوي، التي تكتب في مدونة “عشق التوابل” للطعام: “الموز هو المكون الأساسي في الوصفات التقليدية بمنطقة كونكان. وأستمتع بتحضير ‘كيلي أوبكاري ‘ عن طريق قلي الموز غير الناضج مع الخضروات، و ‘كيلي كوديل ‘، المكون من صلصة الكاري المصنوعة من جوز الهند، وأستخدم الموز في تحضير ‘كيلي بودي ‘، من شرائح الموز المقلي، وحلوى ‘كيلي هالفو ‘، المكونة من الموز الناضج ودقيق السميد. فهناك طرق عديدة للاستمتاع بمذاق الموز”.

ويقول فيغنيش راماشاندران، طاهي بمطعم “وانس أبون أيه تايم” في حيدر آباد: “قد نستعيض عن السمك بشرائح الموز المشوية والمتبلة في بعض الأطباق التي تعتمد على السمك مثل “مين كوزامبو”، وقد يحاكي مذاق الموز مع صلصة الكاري مذاق السمك في الطبق الأصلي”.

وعلى مشارف مدينة تشيناي، عاصمة ولاية تاميل نادو، التقيت سيكار، النسّاج الذي يصنع الساري الهندي الصديق للبيئة من مخلفات الموز وألياف الموز الطبيعية. ويشرف سيكار على فريق من نحو 100 امرأة، ينسجن خليطا من خيوط القطن وألياف الموز منذ سنوات.

وسواء كان الموز ناضجا أم غير ناضج، كافينديش أم بوفان، قد يحتار المرء في الاختيار بين أنواع الموز المتعددة في الهند. وكلما توغلت في هذا البلد، حيث يعد الموز مقدسا، ستجد الكثير من الأمور المدهشة.

وفي ناغركويل، أرض الموز، لم أعد أحدق مندهشة في أنواع الموز، بل أصبحت أختار نوع “راساكادالي”، الذي يعد نوعا مباركا، للمناسبات الدينية، وأشتري رقائق “نيندران” كوجبة خفيفة بين الوجبات الأساسية. وكل قضمة تكشف عن إرث الموز في هذه البلدة.

مقالات ذات صلة

Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: